|
2.. الدخول للنص
تنطلق تجربة الشاعر "علي صدقي عبدالقادر" من
الإخلاص للنثر بشكل مطلق، والتعويل عليه، وهو
إخلاص غريب لشاعر له تاريخه الشعري في الشعر
التقليدي والحر، وأيضاً انقطاع تام عن إرث
الغناء والإيقاع في الشعر، وفي محاولتي للبحث
عن إيقاعٍ ما لنص الشاعر، وأعني إيقاع الوصل
والقطع أو النبر الذي تحدث عنه الدكتور "كمال
أبوديب"، كانت النتيجة أنه لا نظام ثابت أو
آلية لكتابة هذه النصوص، فحتى ما أعرفه
بالأدائية أجده لا تفيدني في تتبع إيقاع لهذا
النص، وكأن هذا النص لا يحاول إيجاد منومة
إيقاعية تحاور إيقاعاً داخلياً تتعلق به
بالشعر (الإيقاع الداخلي)، إن الشاعر ينقطع عن
أي صورة للغنائية أو الإيقاع في نصه، إنه يخلص
بإطلاق للنثر.
نص/ البحر يغسل
يديه3:
[غـربال]
الليل يغربل الطرق قبيل
الفجر
فيحتفظ بحفار القبور،
والخنجر والأفعى
ويهرب، يهرب، يهرب
حتى سقط في البحر
لذلك صار البحر يغسل
يديه، مدى الدهر
يغسل، فذهبت الظلمة،
وبقيت الزرقة..
هذا الإخلاص يطرح أمامنا المكان لاحتمال أكثر
من حضور، فالشاعر الذي يعترف بالشعر في كل
شيء، في الابتسامة في اللفتة، في السلام، في
القبلة، يصنع الشعر في الاختلاف (أو هكذا ترى
القاعدة التقليدية= الشعر×النثر)، يتخلى بحثاً
عن غنىً أكثر في تجربته الحديثة (غنى الجاهزية
بغنى المفترض)، وهو بحث شرعي للشاعر.. وهو
يدخل هذه التجربة بالاعتماد على ثلاث مرتكزات:
- الاحتفاظ بثيماته الخاصة.
- الجمل القصيرة.
- الإخلاص للنثر.
فالشاعر لم يتخلى ثيماته الخاصة (فاطمة،
الوردة، أمي،...)، التي عنونت نصوصه وصارت
علامتها المسجلة، هذا يعمل على ربط التجربة
ومنحها إطاراً موحداً وشكلاً عاماً يوافق بين
أطوارها، هذه الثيمات التي عكستها التجربة
السابقة تعيدها التجربة الحالية (الآنية)،
تجربة اللحظة، وهذا الثبات يفترض أنها (أي
الثيمات) تحمل ذات الطاقة لتستمر في النص،
وتمضي، كأنها صورة لهذا النص، فبالقدر الذي
تنطلق فيه وتمارس حياتها كاملة في النص، تؤكد
فاعلية النص وبالتالي التجربة.. ونلاحظ أن هذه
الثيمات تطرح بطريقة واضحة، ومستقلة في
مفردتها دون حاجة لدمجها في النظام الوزني
للبيت أو جملة التفعيلة، هذا منحها استقلالية
وحريةً للفعل.
الجمل القصيرة، التي في تواترها تجعل الجملة
الشعرية تتسع أكثر، في موازاة نفس الشاعر
(الحالة/المشهد)، في تجربة الشاعر الحديثة
تكون مرتكزاً في تكوين السطر، وبناء النسق
الشعري للنص، الهيكل البنائي أو ما يعرَّف
بهندسة النص.
هذه الجمل القصيرة، تعمل لتكوين الوحدات
اللازمة لإنتاج الصورة، مكونة الشكل العام
للفقرة، التي يعمل الشاعر عليها بنية مبيتة،
أو قصد مسبق، فهو يعمل على شكل معد سلفاً،
فالنص يُنتَج في ثلاث أو أربع فقرات معنونة،
تحت عنوانٍ رئيسي لها، وهي وإن أظهرت نوعاً من
الاستقلال، إنما هو الاستقلال الذي يحدثه
التوازي لمستوىً معلوم هو الشاعر.. فالشاعر
يعمل على شكل ثابت (النص/عنوان رئيسي=
عنوان1+عنوان2+عنوان3)، وطالما إن الناتج
دائماً ثابت (العنوان الرئيسي=النص)، فهذا
يعني إن إجراء إي عملية تبديلية على العناصر
المكونة لن يحدث أي تغيير في الناتج، القاعدة
الرياضية تقول (عن الجمع عملية تبادلية: 3=1+2
/ 3=2+1)، والقصد إنه لو عمدنا لإعادة ترتيب
هذه الفقرات الثلاث أو الأربع فإن النص لن
يعاني إرباكاً (هي لعبة أشبه بلعبة المكعبات)،
وهذا يفيد فرضنا كون الفقرات المكونة فقرات
منفصلة/مستقلة تتوازى والشاعر، فالنص يقوم على
تعدادها لا على ترتيبها أو نظام تتابعها،
بالعكس من التركيب الداخلي لهذه الفرات الذي
يعتمد تواتر الجمل القصيرة، والعمل على
المفردة، مكوناً ثانوياً للصورة، بمنحها مسحة
إضافية.
نص/ مدينتي..
اسمها طرابلس الحب4:
[جميلات العالم]
أكلت خبز جميلات العالم،
لم يكن كخبز أمي
نمت بأكبر المدن، ما
أعطتني أصغر حلم في بلدي
وأعود من سفري، مملوءاً
بدقة (ساعة سوق المشير)
وبوشم بنت، تجمع فل شارع
الظل، وتغني
مملوءاً بنافورة الخيل
المجنحة، بميدان الشهداء
في بلدي يعرفني ظلي،
الشجر، والماء، وفي الخارج أسمع: من أنت؟؟!!
نعترف أن الدخول لهذه التجربة كان بوعيٍ، وعي
أدرك متطلبات التجربة وحاجتها الملحة للتفرد..
فقصيدة النثر نص خاص (مبدأ الصعوبة/الخصوصية
في قصيدة النثر)، من هذه النقطة نقطة الخصوصية
عمل الشاعر على إيجاد شكله المستقل، شكله الذي
يخصه هو، الذي يرسم به نصه ويكونه.. فخلص
بالنثر لإيجاد لغة سهلة، سلسلة، قريبة، لا
تحاول الغوص في البعيد، الجمل محددة،
والمفردات تقف لدالها لا تغادره.. الشاعر "علي
صدقي عبدالقادر" يبحث عن إيصال الصورة التي
يراها هو، الصورة بكل تفاصيلها، معولاً على
ذائقتنا في الإيفاء بما تريد في بعض الجزئيات
التي يراوغنا فيها، ويفتحها أمامنا، فعندما
نحاول البحث في (أكلت
خبز جميلات العالم)، فنحن أمام
احتمالين: أول يقول بأكله خبز جميلة جميلات
العالم، ولم يعول على الجميلة، فهو قصدها
مباشرة وأكل خبزها.. وثان يقول بأكله خبز أكثر
من جميلة موزعة على العالم، بأن قصدهن جميعهن
وتذوق خبزهن.
إلماحة أخيرة.. هي فتنة الشاعر بالأشياء
البعيدة عن أعيننا، الأشياء التي نمرها ولا
نراها، الأشياء التي نسيناها بفعل الرتابة،
والتي يؤكد فيها الشاعر ميلاده كل يوم، فيعيد
فيها دهشة الاكتشاف.. يقول: (وبوشم بنت، تجمع
فل شارع الظل، وتغني/ مملوءاً بنافورة الخيل
المجنحة، بميدان الشهداء)، فنحن نكاد ننسى في
حضور ساحة الشهداء نافورة الخيول في طرفها،
ونسينا تماماً الفل الذي كان يطرحه شارع
الظل.. هي أشياؤه الخاصة التي يكتشفها في كل
يوم، بدهشة الاكتشاف الأول، ينقلها إلى نصه،
ونصاب بالدهشة لغفلنا عنها، وبقدر السواد الذي
حجب عنا المشهد، وظلله، وأخفاه كثيراً.
يظل الشاعر "علي صدقي عبدالقادر" تجربة قائمة،
صامدة.. فهو يرتب بيته، دون الحاجة لأثاثٍ
جديد، فالرؤية والمعرفة بجوانب البيت كفيلة
بأن تخلق الحداثة المرجوة، والطقس الجديد
المأمول من إزاحة الكرسي للأمام قليلاً، أو جر
الطاولة عن الوسط باتجاه النافذة.. هو إدراك
هذه الأشياء والإيمان بها، الإيمان بقدرتها
على إدهاش المتلقي.. إنه يريد فقط الرؤية التي
يتجاوز بها المشهد إلى رؤيا يجاوز بها مساحة
الغرفة التي يشغلها.
هوامش:
1- علي صدقي عبد القادر (ضفائر أمي)- لبنان
1979.
2- مجلة "الفصول الأربعة".. العدد:15/
سبتمبر-1981.
3- مجلة "الفصول الأربعة".. العدد:45/ يناير
1991.
4- صحيفة الشط.. العدد:484/ 03/08/1999. |