Free Web Hosting Provider - Web Hosting - E-commerce - High Speed Internet - Free Web Page
Search the Web

 

الـكلـــــــــمـات

قراءات في نص الشاعر

 

عندما يعيد الشاعر ترتيب بيته

 

رامز رمضان النويصري

 

1.. بداية

 

رغم الاختلاف الكبير، حول تجربته، إلا أن الشاعر "علي صدقي عبدالقادر" يظل علامة في الشعرية الليبية، علامة تجاوز الخمسين عاماً، صوتاً حاضراً في كل المحافل، ونصاً يؤكد التجربة الشعرية الحديثة في ليبيا.. والذي يدخل لتجربة هذا الشاعر بداية من (أحلام وثورة) الصادرة في العام 1957، التي مثلت صحبة (الحنين الظامئ) مجموعة الشاعر "علي الرقيعي" بداية للتجربة الشعرية الحديثة في ليبيا، رحل "الرقيعي" ومتع الله شاعر الشباب بالصحة، حتى عبر إلى النص الحديث، وكثيراً ما أسأل نفسي: ترى لو أمد الله في عمر "الرقيعي" هل كتب النص الحديث أو قصيدة النثر؟، لا يوجد من يملك الإجابة إلا صاحبها الذي غيبه القدر.. ونعود لشاعرنا، الذي يدخل لتجربة شاعرنا يدرك أنه أمام تجربة شعرية خاصة، تبدأ خصوصيتها من سهولة مغرية بالخوض عميقاً، إلى صعوبة في الخروج، وأيضاً الحضور الملفت للتفاصيل الصغيرة الخاصة، التي تعقد علاقة خاصة مع الشاعر، وحفاظه على مجمع ثيماته التي تجاوزت الدال على تفعيلها دالاً في أكثر من صورة.. والذي يطالع تجربة الشاعر في نصوصها الحديثة يكتشف تحولها، وتطورها في الشكل الذي اختارته (وللأسف أنه لم تطبع للشاعر أية مجموعة بعد [اشتهاء مع وقف التنفيذ] الصادرة في 1979، بمعنى أنه لا متناً يضم تجربته إلا الصحف والمجلات).. هذه التجربة تكشف الكثير من محاولات الشاعر للخروج عن وحدة القالب البنائي للنص الشعري، فهو كتب النص التقليدي، ونوع على هذا الشكل فكتب المثلثات والمربعات، ونوع على النص بالمقطوعات الصغيرة، وكتب النص في شطر واحد، ونوّع على المقاطع.. ومع تجربة الشعر الحر (التفعيلة) كتب الشاعر وأبدع، ولحاجة النص (لا حاجته) ظل يكتب المقطوعات والمقطعات، كما نقرأ هذا في مجمعاته الشعرية، ولقد استفاد الشاعر من تجربة الشعر الحر أيما استفادة، فلأنه يستخدم يعتمد الجمل القصيرة كان الشعر الحر محققاً لرغبة الانطلاق دون مقتضيات البيت الشعري، وهذا النظام حقق له في أكثر من مكان أفق لإرسال الصورة دون أن تصاب بخلل الالتفاف للسطر التالي، فهي وإن امتدت له، إلا أن نظام الجمل القصيرة كان كفيلاً بإيجاد توزيع متزن لها.

- نص/ ضفائر أمي1:

ضفائر أمي، وجدت بها الله، قال سلاما، وأهلا

بها يستريح النهار، يفكر في كيف يأتي؟؟؟

يشيخ الزمان. ويرجع من بعد طفلا

بها يغزل الليل أحلامنا، والأساطير، وهي تدور حييه

وتدخل أعيننا في خفر

لترسم ما نشتهيه. وأهواءنا في صور.

 

والشاعر "علي صدقي عبدالقادر" استمر بكتابة الشعر الحر، منتقلاً منه على كتابة قصيدة النثر أو النص الحدث (وإن كان الشاعر نفسه لا يعترف بالتسميات، إنه يعترف بالشعر فقط)، ولقد حاولت أن أقف على بدايات كتابته أو نشره النص الحديث لكني لم أوفق، فلا توجد إلا لصحف والمجلات تحتف بأشعاره، لكن مما توفر لدي من مراجع في أعداد لبعض المجلات والصحف وخاصة مجلة الفصول الأربعة، أقول أن منتصف الثمانينيات عرف نشر الكاتب لنصوصه الحديثة، فحتى بدايات الثمانينيات كان ما نشره في مجلة الفصول الأربعة، نصاً شعرياً خاضعاً لمقاييس الشعر الحر (التفعيلة).

- نص/ أمي .. ويقظة الملح والزيت2:

رسمت وجوها، دوائر، فوق الرياح

بأرض براح

فكانت خيول

بأعرافها مطر، وسيول

وأحمل نافدة الضوء للج،عبر المحيط

فتشهد نبتة قاع ضياء، لأول مرة

وتسأل جارتها: كم ترى الوقت في ساعتك؟؟؟

تقول لها: الساعة الآن،خيط ضياء، وحبة ماء على هامتك

وينهض قاع المحيط

من النوم مستمعا للحوار الرقيق

ويصحو الزمان،ليضبط ساعته من جديد.

 

فالشاعر وهو يدخل تجربة النص الحديث، يقف على رصيد يمكنه من الاستمرار بذات النسق، والكثير من الشعراء من حافظ على شكل النص واستمر به، ومحاولة قبضي على هذه النقلة غاية لمراقبة النص في شكله الأول.. وهي محاولة أنشد فيها مقاربة كتابة الشاعر النثرية الصرفة لتجربته الحديثة، وباستثناء ثيماته التي حافظ عليها، فالشاعر غير من أدواته، وحافظ على جملته القصيرة، فأنا أفترض انه ثمة نقلة قبل شكل النص في شكله الحالي الذي يتخذ عنواناً أساسياً (عاماً للنص)، ومن بعد يتفرع إلى ثلاث أو أربع عناوين.. حيث يعمل الشاعر في هذا الشكل على الكتابة بشكل متوازي، وأعني أن الشاعر ينطلق في ثلاث توازيات يقارب فيها المشهد، وهو مازال يعول على أجزاء الصورة التي يريدها الأجزاء الصغيرة التي يراها هو.

 

2.. الدخول للنص

 

تنطلق تجربة الشاعر "علي صدقي عبدالقادر" من الإخلاص للنثر بشكل مطلق، والتعويل عليه، وهو إخلاص غريب لشاعر له تاريخه الشعري في الشعر التقليدي والحر، وأيضاً انقطاع تام عن إرث الغناء والإيقاع في الشعر، وفي محاولتي للبحث عن إيقاعٍ ما لنص الشاعر، وأعني إيقاع الوصل والقطع أو النبر الذي تحدث عنه الدكتور "كمال أبوديب"، كانت النتيجة أنه لا نظام ثابت أو آلية لكتابة هذه النصوص، فحتى ما أعرفه بالأدائية أجده لا تفيدني في تتبع إيقاع لهذا النص، وكأن هذا النص لا يحاول إيجاد منومة إيقاعية تحاور إيقاعاً داخلياً تتعلق به بالشعر (الإيقاع الداخلي)، إن الشاعر ينقطع عن أي صورة للغنائية أو الإيقاع في نصه، إنه يخلص بإطلاق للنثر.

نص/ البحر يغسل يديه3:

[غـربال]

الليل يغربل الطرق قبيل الفجر

فيحتفظ بحفار القبور، والخنجر والأفعى

ويهرب، يهرب، يهرب

حتى سقط في البحر

لذلك صار البحر يغسل يديه، مدى الدهر

يغسل، فذهبت الظلمة،

وبقيت الزرقة..

 

هذا الإخلاص يطرح أمامنا المكان لاحتمال أكثر من حضور، فالشاعر الذي يعترف بالشعر في كل شيء، في الابتسامة في اللفتة، في السلام، في القبلة، يصنع الشعر في الاختلاف (أو هكذا ترى القاعدة التقليدية= الشعر×النثر)، يتخلى بحثاً عن غنىً أكثر في تجربته الحديثة (غنى الجاهزية بغنى المفترض)، وهو بحث شرعي للشاعر.. وهو يدخل هذه التجربة بالاعتماد على ثلاث مرتكزات:

- الاحتفاظ بثيماته الخاصة.

- الجمل القصيرة.

- الإخلاص للنثر.

فالشاعر لم يتخلى ثيماته الخاصة (فاطمة، الوردة، أمي،...)، التي عنونت نصوصه وصارت علامتها المسجلة، هذا يعمل على ربط التجربة ومنحها إطاراً موحداً وشكلاً عاماً يوافق بين أطوارها، هذه الثيمات التي عكستها التجربة السابقة تعيدها التجربة الحالية (الآنية)، تجربة اللحظة، وهذا الثبات يفترض أنها (أي الثيمات) تحمل ذات الطاقة لتستمر في النص، وتمضي، كأنها صورة لهذا النص، فبالقدر الذي تنطلق فيه وتمارس حياتها كاملة في النص، تؤكد فاعلية النص وبالتالي التجربة.. ونلاحظ أن هذه الثيمات تطرح بطريقة واضحة، ومستقلة في مفردتها دون حاجة لدمجها في النظام الوزني للبيت أو جملة التفعيلة، هذا منحها استقلالية وحريةً للفعل.

 

الجمل القصيرة، التي في تواترها تجعل الجملة الشعرية تتسع أكثر، في موازاة نفس الشاعر (الحالة/المشهد)، في تجربة الشاعر الحديثة تكون مرتكزاً في تكوين السطر، وبناء النسق الشعري للنص، الهيكل البنائي أو ما يعرَّف بهندسة النص.

هذه الجمل القصيرة، تعمل لتكوين الوحدات اللازمة لإنتاج الصورة، مكونة الشكل العام للفقرة، التي يعمل الشاعر عليها بنية مبيتة، أو قصد مسبق، فهو يعمل على شكل معد سلفاً، فالنص يُنتَج في ثلاث أو أربع فقرات معنونة، تحت عنوانٍ رئيسي لها، وهي وإن أظهرت نوعاً من الاستقلال، إنما هو الاستقلال الذي يحدثه التوازي لمستوىً معلوم هو الشاعر.. فالشاعر يعمل على شكل ثابت (النص/عنوان رئيسي= عنوان1+عنوان2+عنوان3)، وطالما إن الناتج دائماً ثابت (العنوان الرئيسي=النص)، فهذا يعني إن إجراء إي عملية تبديلية على العناصر المكونة لن يحدث أي تغيير في الناتج، القاعدة الرياضية تقول (عن الجمع عملية تبادلية: 3=1+2 / 3=2+1)، والقصد إنه لو عمدنا لإعادة ترتيب هذه الفقرات الثلاث أو الأربع فإن النص لن يعاني إرباكاً (هي لعبة أشبه بلعبة المكعبات)، وهذا يفيد فرضنا كون الفقرات المكونة فقرات منفصلة/مستقلة تتوازى والشاعر، فالنص يقوم على تعدادها لا على ترتيبها أو نظام تتابعها، بالعكس من التركيب الداخلي لهذه الفرات الذي يعتمد تواتر الجمل القصيرة، والعمل على المفردة، مكوناً ثانوياً للصورة، بمنحها مسحة إضافية.

نص/ مدينتي.. اسمها طرابلس الحب4:

[جميلات العالم]

أكلت خبز جميلات العالم، لم يكن كخبز أمي

نمت بأكبر المدن، ما أعطتني أصغر حلم في بلدي

وأعود من سفري، مملوءاً بدقة (ساعة سوق المشير)

وبوشم بنت، تجمع فل شارع الظل، وتغني

مملوءاً بنافورة الخيل المجنحة، بميدان الشهداء

في بلدي يعرفني ظلي، الشجر، والماء، وفي الخارج أسمع: من أنت؟؟!!

 

نعترف أن الدخول لهذه التجربة كان بوعيٍ، وعي أدرك متطلبات التجربة وحاجتها الملحة للتفرد.. فقصيدة النثر نص خاص (مبدأ الصعوبة/الخصوصية في قصيدة النثر)، من هذه النقطة نقطة الخصوصية عمل الشاعر على إيجاد شكله المستقل، شكله الذي يخصه هو، الذي يرسم به نصه ويكونه.. فخلص بالنثر لإيجاد لغة سهلة، سلسلة، قريبة، لا تحاول الغوص في البعيد، الجمل محددة، والمفردات تقف لدالها لا تغادره.. الشاعر "علي صدقي عبدالقادر" يبحث عن إيصال الصورة التي يراها هو، الصورة بكل تفاصيلها، معولاً على ذائقتنا في الإيفاء بما تريد في بعض الجزئيات التي يراوغنا فيها، ويفتحها أمامنا، فعندما نحاول البحث في (أكلت خبز جميلات العالم)، فنحن أمام احتمالين: أول يقول بأكله خبز جميلة جميلات العالم، ولم يعول على الجميلة، فهو قصدها مباشرة وأكل خبزها.. وثان يقول بأكله خبز أكثر من جميلة موزعة على العالم، بأن قصدهن جميعهن وتذوق خبزهن.

 

إلماحة أخيرة.. هي فتنة الشاعر بالأشياء البعيدة عن أعيننا، الأشياء التي نمرها ولا نراها، الأشياء التي نسيناها بفعل الرتابة، والتي يؤكد فيها الشاعر ميلاده كل يوم، فيعيد فيها دهشة الاكتشاف.. يقول: (وبوشم بنت، تجمع فل شارع الظل، وتغني/ مملوءاً بنافورة الخيل المجنحة، بميدان الشهداء)، فنحن نكاد ننسى في حضور ساحة الشهداء نافورة الخيول في طرفها، ونسينا تماماً الفل الذي كان يطرحه شارع الظل.. هي أشياؤه الخاصة التي يكتشفها في كل يوم، بدهشة الاكتشاف الأول، ينقلها إلى نصه، ونصاب بالدهشة لغفلنا عنها، وبقدر السواد الذي حجب عنا المشهد، وظلله، وأخفاه كثيراً.

 

يظل الشاعر "علي صدقي عبدالقادر" تجربة قائمة، صامدة.. فهو يرتب بيته، دون الحاجة لأثاثٍ جديد، فالرؤية والمعرفة بجوانب البيت كفيلة بأن تخلق الحداثة المرجوة، والطقس الجديد المأمول من إزاحة الكرسي للأمام قليلاً، أو جر الطاولة عن الوسط باتجاه النافذة.. هو إدراك هذه الأشياء والإيمان بها، الإيمان بقدرتها على إدهاش المتلقي.. إنه يريد فقط الرؤية التي يتجاوز بها المشهد إلى رؤيا يجاوز بها مساحة الغرفة التي يشغلها.

 

 

 

هوامش:

1- علي صدقي عبد القادر (ضفائر أمي)- لبنان 1979.

2- مجلة "الفصول الأربعة".. العدد:15/ سبتمبر-1981.

3- مجلة "الفصول الأربعة".. العدد:45/ يناير 1991.

4- صحيفة الشط.. العدد:484/ 03/08/1999.

 

 

 

الرئيسية  |  الشاعر  |  النصـوص  |  الكلـمات

 
 

[جميع الحقوق محفوظة لموقع بلد الطيوب]